جلال الدين السيوطي

119

الإتقان في علوم القرآن

وحكى أبو حيان « 1 » عن شيخه أبي جعفر بن الزبير أنه كان يقول : هذا العطف يسمى بالتجريد ، كأنه جرّد من الجملة وأفرد بالذكر تفضيلا . ومن أمثلته : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [ البقرة : 238 ] ، مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 98 ] ، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [ آل عمران : 104 ] ، وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ [ الأعراف : 170 ] ؛ فإنّ إقامتها من جملة التمسّك بالكتاب ، وخصّت بالذكر إظهارا لمرتبتها ، لكونها عماد الدين . وخصّ جبريل وميكائيل بالذكر ردّا على اليهود في دعوى عداوته ، وضمّ إليه ميكائيل لأنه ملك الرزق الذي هو حياة الأجساد ، كما أنّ جبريل ملك الوحي الذي هو حياة القلوب والأرواح « 2 » . وقيل : إنّ جبريل وميكائيل لمّا كانا أميري الملائكة لم يدخلا في لفظ الملائكة أولا ، كما أنّ الأمير لا يدخل في مسمّى الجند . حكاه الكرمانيّ في العجائب . ومن ذلك : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ النساء : 110 ] ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [ الأنعام : 93 ] : بناء على أنّه لا يختصّ بالواو ، كما هو رأي ابن مالك فيه وفيما قبله . وخصّ المعطوف في الثانية بالذكر تنبيها على زيادة قبحه . تنبيه : المراد بالخاصّ والعام هنا ما كان فيه الأول شاملا للثاني ، لا المصطلح عليه في الأصول . النوع العاشر : عطف العام على الخاص « 3 » : وأنكر بعضهم وجوده ، فأخطأ . والفائدة فيه واضحة ، وهو التعميم ، وأفرد الأول بالذكر اهتماما بشأنه . ومن أمثلته : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [ الأنعام : 162 ] . والنّسك العبادة ، فهو أعمّ . آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [ الحجر : 87 ] . رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ نوح : 28 ]

--> ( 1 ) نقله في البرهان 2 / 465 . ( 2 ) انظر البرهان 2 / 466 . ( 3 ) انظر البرهان 2 / 471 - 472 .